فخر الدين الرازي

300

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

والقرآن ، وأولئك يسمون جهال اليهود والنصارى ، ثم إطعام الطعام الذي يكون غذاء الجسد يوجب الشكر ، فإطعام الطعام الذي هو غذاء الروح ، ألا يكون موجبا للشكر ! وفي الآية سؤالات : السؤال الأول : لم لم يقل : عن جوع وعن خوف ؟ قلنا : لأن معنى عن أنه جعل الجوع بعيدا عنهم ، وهذا يقتضي أن يكون ذلك التبعيد مسبوقا بمقاساة الجوع زمانا ، ثم يصرفه عنه ، و ( من ) لا تقتضي ذلك ، بل معناه أنهم عندما يجوعون يطعمون ، وحين ما يخافون يؤمنون . السؤال الثاني : لم قال : مِنْ جُوعٍ مِنْ خَوْفٍ على سبيل التنكير ؟ الجواب : المراد من التنكير التعظيم . أما الجوع فلما روينا : أنه أصابتهم شدة حتى أكلوا الجيف والعظام المحرقة وأما الخوف ، فهو الخوف الشديد الحاصل من أصحاب الفيل ، ويحتمل أن يكون المراد من التنكير التحقير ، يكون المعنى أنه تعالى لما لم يجوز لغاية كرمه إبقاءهم في ذلك الجوع القليل والخوف القليل ، فكيف يجوز في كرمه لو عبدوه أن يهمل أمرهم ، ويحتمل أن يكون المراد أنه أطعمهم من جوع دون جوع وآمنهم من خوف دون خوف ، ليكون الجوع الثاني والخوف الثاني مذكرا ما كانوا فيه أولا من أنواع الجوع والخوف ، حتى يكونوا شاكرين من وجه ، وصابرين من وجه آخر ، فيستحقوا ثواب الخصلتين . السؤال الثالث : أنه تعالى إنما أطعمهم وآمنهم إجابة لدعوة إبراهيم عليه الصلاة والسلام أما في الإطعام فهو قوله : وَارْزُقْ أَهْلَهُ [ البقرة : 126 ] وأما الأمان فهو قوله : اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً [ إبراهيم : 35 ] وإذا كان كذلك كان ذلك منة على إبراهيم عليه السلام ، فكيف جعله منة على أولئك الحاضرين ؟ والجواب : أن اللّه تعالى لما قال : إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قال إبراهيم : وَمِنْ ذُرِّيَّتِي فقال اللّه تعالى : لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ [ البقرة : 124 ] فنادى إبراهيم بهذا الأدب ، فحين قال : رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ قيده بقوله : مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ فقال اللّه : لا حاجة إلى هذا التقيد ، بل ومن كفر فأمتعه قليلا ، فكأنه تعالى قال : أما نعمة الأمان فهي دينية فلا تحصل إلا لمن كان تقيا ، وأما نعمة الدنيا فهي تصل إلى البر والفاجر والصالح والطالح ، وإن كان كذلك كان إطعام الكافر من الجوع ، وأمانه من الخوف إنعاما من اللّه ابتداء عليه لا بدعوة إبراهيم ، فزال السؤال . واللّه سبحانه وتعالى أعلم ، وصلى اللّه على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .